ابراهيم رفعت باشا

219

مرآة الحرمين

شدادا عجافا ، ولم يبق من العيون إلا عين عرفات ولكن قل جريانها . ولما عرضت أحوال العيون على السدة السلطانية السليمانية صدر الأمر بتصليح ذلك ، فاجتمع بمكة قاضيها عبد الباقي المغربي وحاكم جدّة خير الدين وغيرهما من الأعيان وتشاوروا في الاصلاح ، فأجمع أمرهم على أن أقوى العيون عين عرفات وعقدوا النية على توصيل الماء من بئر زبيدة خلف منى إلى مكة وحسبوا أن تحت الأرض مجرى قديما إلى مكة وانهدم ، وطلبوا من السلطنة 30000 دينار للتعمير سنة 969 ه . فالتمست صاحبة الخيرات فاطمة هانم كريمة السلطان سليمان من أبيها أن يأذن لها في القيام بهذا العمل الخيري فأذن لها ، وانتدبت لذلك بعد استشارة الوزراء الأمير إبراهيم بن تكرين أمين الدفاتر بديوان مصر وأعطته 50000 دينار للقيام بالعمل ، وقد وصل إلى جدّة لثمان بقين من ذي القعدة سنة 969 ه . ثم برحها إلى مكة فقابله شريفها محمد بن نمى مقابلة جميلة وأكرم وفادته ، وجاء للسلام عليه قاضى مكة حسين الحسنى فعرض عليهما مهمته وزوّداه بالآراء الصائبة وبحث عين عرفة بنفسه حتى أحاط بها خبرا ، واستدعى من مصر والشام وحلب والأستانة واليمن طوائف المهندسين والخبراء بالعيون والآبار والحدّادين والبنائين والحجارين والقطاعين والنجارين وغيرهم ممن يحتاج اليه في العمارة واستحضر آلاتها من مصر ، وشرع بمعونة هؤلاء ومعونة مماليكه الأربع المائة في إصلاح القناة مبتدئين من الأوجر حتى وصلوا إلى بئر زبيدة ، وهنالك بدا لهم ما لم يكونوا يحتسبون إذ لم يجدوا بعد البئر دبلا تحت الأرض وعلموا إذ ذاك أن زبيدة اضطرت إلى ترك التوصيل إلى مكة اضطرارا لصلابة الحجر وصعوبة قطعه وطول مسافته ، وأن لا سبيل إلى ذلك ألا بنقر دبل تحت الأرض في الحجر الصوان طولها ألفا ذراع بذراع البنائين - 75 سنتيمترا - حتى يتصل بدبل عين حنين وتتصل عين عرفة بمكة ولا يمكن نقب ذلك الحجر تحت الأرض ، فإنه يحتاج إلى النزول في تخوم الأرض 50 ذراعا عمقا فتجاذب الأمير إبراهيم عاملا اليأس والأمل ، ولكن عامل اليأس قضى عليه صادق عزيمته فحفر وجه الأرض حتى إذا ما وصل إلى الحجر الصوان أوقد عليه ليلة كاملة ما يقارب مائة حمل من الحطب الجزل في مكان